ابن عربي
8
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
فإن قوله « رَفِيعُ الدَّرَجاتِ » إنما ذلك على خلقه ، فبالرتبة علم الفاضل والمفضول ، وبها ميز بين اللّه والعالم ، وبها ظهرت حقائق ما هي عليه الأسماء الإلهية من عموم التعلق وخصوصه « ذُو الْعَرْشِ » - الوجه الأول - ومن هذه المنزلة تنزل النبوة ، ينزلها رفيع الدرجات ذو العرش على العبد ، بأخلاق صالحة ، وأعمال مشكورة حسنة في العامة ، تعرفها القلوب ، ولا تنكرها النفوس ، وتدل عليها العقول ، وتوافق الأغراض ، وتزيل الأمراض ، فإذا حصل العبد في تلك المنزلة من رفيع الدرجات ذي العرش ، ونظر الحق من هذا الواصل إلى تلك المنزلة نظر استنابة وخلافة ، ألقى الروح بالإنباء من أمره على قلب ذلك الخليفة المعتنى به ، فتلك نبوة التشريع ، وهي قوله تعالى : « يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ » فالإنذار أبدا مقرون بنبوة التشريع - الوجه الثاني - « رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ » لما كان العلم تحيا به القلوب ، كما تحيا بالأرواح أعيان الأجسام كلها ، سمى العلم روحا ، تنزل به الملائكة على قلوب عباد اللّه وتلقيه وتوحي به ، مثل قوله تعالى : ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) فهذا نزول للروح بالواسطة ، وللّه إلقاء للروح من غير واسطة في حق عباده أيضا ، فأما إلقاؤه ووحيه به فقوله : « يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ » وقوله : ( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) وأما قوله تعالى : « عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ » جاء بمن وهي نكرة ، فالروح بينه تعالى وبين من شاء من عباده بالبشارة والنذارة ، فإذا نزل هذا الروح في قلب العبد بتنزيل الملك أو بإلقاء اللّه ووحيه ، حيي به قلب المنزل عليه ، فكان صاحب شهود ووجود ، لا صاحب فكر وتردد ، ولا علم يقبل عليه دخلا فينتقل صاحبه من درجة القطع إلى حال النظر ، فالعبد المجتبى إما يعرج فيرى ، أو ينزل عليه في موضعه « لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ » فجاء بما ليس بشرع ولا حكم ، بل بإنذار ، فقد يكون الولي بشيرا ونذيرا ، ولكن لا يكون مشرعا ، فإن الرسالة والنبوة بالتشريع قد انقطعت ، فلا رسول بعده صلّى اللّه عليه وسلّم ولا نبي ، أي لا مشرع ولا شريعة ؛ واعلم أن الأرواح النورية المسخرة - لا المدبرة - تنزل على قلوب العارفين بالأوامر والشؤون الإلهية والخيرات بحسب ما يريده الحق بهذا العبد ، فترقيه بما نزلت به إليه ترقية وتخليصا إلى الحجاب الأقرب من الحجب البعيدة ، إلى أن يتولاه اللّه بارتفاع الوسائط ، وهو قوله تعالى في هذه الآية « يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ » أما قوله تعالى في سورة النحل : ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ